أبي منصور الماتريدي
114
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يقول : فرقا وأحزابا ، وكانت اليهود « 1 » والنصارى « 2 » فرقا مختلفة ، اليهود
--> ( 1 ) اليهودية : ينسب اليهود إلى يهوذا ، أحد أولاد يعقوب الاثني عشر ( الأسباط في القرآن الكريم ) ويعقوب هو إسرائيل . ثم أصبحت كلمة يهودي تطلق على كل من يدين باليهودية . وكان يعقوب ( إسرائيل ) قد هاجر هو وعشيرته من أرض كنعان ( فلسطين وما إليها ) إلى مصر حوالي القرن 17 ق . م . وكان عددهم سبعين نفسا ، تحت ضغط المجاعة والجفاف ( سفر التكوين ، إصحاح 46 فقرة 27 ) واستقبلهم يوسف أحد أبنائه وكان ( وزيرا ) لدى فرعون مصر ، فأكرم وفادتهم ، وأقاموا في ناحية جاسان ( وادي الطميلات بالشرقية ) ( التكوين : إصحاح 47 فقرة 11 ) . وخلال ما يقرب من أربعة قرون من إقامتهم في مصر انقسم بنو إسرائيل ( يعقوب ) إلى اثنتي عشرة قبيلة كل منها نسبة إلى واحد من الأسباط الاثني عشر . وعندما بعث موسى برسالة التوحيد إلى بني إسرائيل وفرعون مصر وقومه ق 14 - 13 قبل الميلاد تقريبا آمن بها بنو إسرائيل إلا قليلا منهم . وهنا نشأت الديانة اليهودية . وكان لا بد من الصدام مع فرعون وقومه ، فخرج بنو إسرائيل من مصر ( البقرة : 49 ، 50 ) ، ( طه 77 - 88 ) ( إصحاح 13 - 14 من سفر الخروج ) حوالي 1280 ق . م . في عهد فرعون مصر رمسيس الثاني على ما يرجح . وبعد خروج اليهود من مصر الفرعونية إلى الصحراء ( سيناء ) ، أغاروا بقيادة يوشع ( خليفة موسى ) على أرض كنعان ، واستقروا بها . وبعد وفاة سليمان انقسمت مملكة داود ( أسسها عام 990 ق . م . ) إلى مملكتين : إسرائيل في الشمال ، ومملكة يهوذا في الجنوب ( 922 ق . م . ) ، ونشبت بينهما حروب طويلة إلى أن دهمهم بختنصر ملك بابل حين أغار على فلسطين مرتين في 596 ، 587 ق . م . وأخذ عددا كبيرا منهم إلى بابل ، وظلوا هناك حوالي خمسين عاما تعرف في تاريخ اليهود بالأسر البابلي . فلما تغلب كورش ملك الفرس على البابليين ( 538 ق . م . ) أطلق سراح الأسرى الذين عادوا إلى فلسطين ولكن دون دولة ، إذ خضعوا للفرس ، ومن بعدهم لخلفاء الإسكندر المقدوني ( أنطيوخوس ) ثم إلى الرومان . وفي تلك الأثناء ترك عدد منهم فلسطين إلى جهات مختلفة في أسيا وأوروبا . وفي عام 135 م أخمد الرومان في عهد الإمبراطور هدريان ثورة قام به اليهود في فلسطين هدم على أثرها هيكل سليمان وأخرج اليهود من فلسطين وكان عددهم حوالي خمسين ألفا ، وبدأت رحلة الشتات . وقبل الشتات الكبير كان اليهود الذين غادروا فلسطين إلى أوروبا استوطنوا حوض نهر الراين الشمالي والأوسط ، واجتهدوا في نشر اليهودية بين الوثنيين هناك بين الجرمان والسلاف . وبعد الشتات انتشروا في آفاق كثيرة بين أجناس مختلفة في فارس وتركستان والهند والصين عن طريق القوقاز ، وفي العراق ومصر وبرقة وشمال إفريقية ، وشبه جزيرة أيبريا ( إسبانيا والبرتغال ) ، والجزيرة العربية حتى اليمن ، والحبشة وفيما بعد في أجزاء من إفريقيا السوداء . وقد أدى هذا إلى اعتناق عناصر وسلالات بشرية كثيرة لليهودية . وهذا التعدد العنصري في حد ذاته ينفي مقولة : إن اليهودية قومية ، كما ينفي أيضا مقولة ( معاداة السامية ) التي يشهرها اليهود كلما وقعوا في كارثة ؛ لأن انتشار اليهودية على ذلك النحو أوجد أجيالا تدين باليهودية ولكن ليسوا ساميين أصلا . وفي المجتمعات التي عاش فيها اليهود قبل الشتات الكبير وبعده ، كانوا على هامش المجتمع بسبب اختلاف عقيدتهم عن الآخرين ، ومن هنا كانوا دوما أقلية منعزلة ذاتيّا تعيش في مكان خاص ( حارة - جيتو ) ، ولم يتبوءوا مراكز الحكم ، فانصرفوا إلى النشاط الاقتصادي وسيطروا على أسواق المال والتجارة . ولما بدأ عصر الدولة القومية في القرن التاسع عشر ، بدأ يهود القارة الأوربية التفكير في وطن خاص يجمعهم وينقلهم من هامش المجتمعات التي يعيشون فيها ليصبحوا قوة مركزية ، وهو الأمر الذي تم في عام 1948 بعد تكوين المنظمة الصهيونية العالمية بمقتضى مؤتمر بازل -